مواقيت الناس
إنّ للإنسان ارتباطاً وثيقاً بالزمن؛ فهو عمره وحياته، وأغلى ممتلكاته، وبرهان وجوده، وميدان علاقته بخالقه، وساحة مبرّاته، وجوهر قيمته. وهو من أجلّ النعم وأعظمها، يستوي في الارتباط به كل الناس، مهما تنوّعت ثقافاتهم ودياناتهم وأعراقهم، وهم بحاجة ماسّة، في كل عصر، إلى معرفته، ورصد تقلّباته، وتلبية حاجاتهم، وتحديد أهدافهم، وترتيب أولوياتهم؛ فالحياة أوقات تنقضي، وأزمنة تتلاحق:
حياتُكَ أوقاتٌ تُعَدُّ، فكلّما مضى زمنٌ، انتقصتَ به جزءاً.ولعظمة الزمن؛ أقسم الله تعالى به في مواطن عدّة من كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “العصر هو الدهر”. ولمكانته، ربط الله عز وجل به أركان الدين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾. وجعل الأهلة مواقيت لتقدير الزمان بالشهور، لما في ذلك من منافع يتصل بعضها بالدين وبعضها بالدنيا؛ فأما ما يتصل بالدين فكثير، ومنه الحج، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، والصوم، قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وأما ما يتصل بالدنيا، فمنه المداينات، والإجارات، والمواعيد، ومدة الحمل والرضاع، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾، وغير ذلك من شؤون الناس التي لا يستقيم ضبط أوقاتها إلا بمعرفة منازل القمر وتغيّر أحواله.
وقد أخبر جل جلاله أنه دبّر الأهلة هذا التدبير البديع لمنافع عباده، وما تقوم به مصالح دنياهم، وليستدلوا باختلاف هذه الأحوال على وحدانية الله سبحانه وتعالى وكمال قدرته.
وانطلاقاً من هذه المكانة الرفيعة للزمان، يأتي اهتمام المسلمين بالتقويم الهجري بوصفه جزءاً أصيلاً من الدين والعبادات، ومعْلَماً مهماً في الحضارة والثقافة والموروث والهوية الإسلامية. وتعود أهمية هذا التقويم إلى المناسبة العظيمة التي يرمز إليها، وهي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ إذ يرتبط بمجدٍ شريف، ومرحلة مفصلية في تاريخ الإسلام، انتقل فيها المسلمون من حياة الخوف والعزلة والاضطهاد إلى حياة يسودها السلام والرحمة والسكينة والتسامح والتعايش الإنساني.